محمد طاهر الكردي
18
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
تتعدد بتعدد الحضارات التي كانوا يختلفون إليها ، فلا عجب أن تتلاقى أكثر الحضارات الشائعة في عهدهم وفي بويتهم في مكة وأن تبدو واضحة في حياتهم . وكانت مخابئهم إلى جانب هذا تكتنز بالذهب والفضة كما تكتنز بالنقد المضروب من الدينار والدرهم ، وقد ذكرها القرآن في معارض مختلفة نستطيع أن نفهم منها أنهم كانوا يعرفونها معرفة تامة . وكانوا يستعملون الموازين في أسواقهم والمكاييل ، ويعرفون من مفردات أثقالها أنواعا كثيرة كانوا يتعاملون بها ، وليس أدل على هذا من خطاب القرآن لهم وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ويسرد بعض المؤرخين بعض الحوادث الفردية التي يحسبون أنها تحدد معارف القرشيين في علم المال أو تبين مدى حيازتهم له ، فيذكرون في رواية الصحابي الذي اشترت منه إحدى السبايا نفسها بألف درهم ، أن رفاقه عندما لاموه على رخص الثمن قال لهم واللّه ما أعرف فوق الألف شيئا ، ويريدون أن يستدلوا من هذا على تحديد معارف القرشيين في الأموال والأرقام ، ولعلهم نسوا أن القرآن كان يخاطبهم بأرقى من هذا المستوى وهو يستعرض هول يوم القيامة فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ أو يسرد لهم قصة يونس وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ وليس من شك أن قوما أحصوا بعشرات الألوف ومئاتها كانوا على شيء من الغنى ، وكان يصحبه ما يتبع الثراء من الحضارة وما في الحضارة من ترف وما ظننا بقوم كان القرآن يعرض أمامهم في صدد التشريع أدق من هذا ، فيشير إلى النصف والثلث والربع والخمس والثمن والعشر في أوامره بتوزيع التركات ، لا ريب أنهم كانوا في بيئة تجيد هذه الكسور ومضاعفاتها ، كما تجيد إلى ذلك مستلزمات هذا التوزيع من عمليات الجمع والطرح والضرب والقسمة على أنواعها في الآحاد والكسور . واستعمل القرشيون في مكة الثياب والسراويل والقمصان والنعال ، وتختموا بالذهب والفضة واتخذوا لخواتمهم حبات اللؤلؤ ، كما استعمل القرشيات الخمر والجلاليب والخلاخل التي كن يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ، عدا ما تحلين به من عقود وأساور وما تطيبن به من ذي أريج فواح .